ميناء نينغبو تشوشان.. العملاق البحري الذي يقود تجارة الصين مع العالم
مؤتمر الحوار العالمي لرؤساء البلديات 2026 يفتح آفاق التعاون الدولي.. وتجربة صينية تحمل رسائل مهمة لمصر
نينغبو – الصين | تغطية خاصة: ريم شهاب
في مشهد يعكس التحولات المتسارعة في خريطة الاقتصاد العالمي، تتجه الأنظار إلى مدينة نينغبو الصينية، الواقعة في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين، حيث تتواصل فعاليات مؤتمر الحوار العالمي لرؤساء البلديات 2026، الذي يجمع قيادات ومسؤولين وممثلين عن مدن ومؤسسات دولية، لبحث آفاق التعاون بين المدن، وتعزيز الانفتاح الاقتصادي، وتبادل الخبرات في مجالات التنمية المستدامة والتكنولوجيا والبنية التحتية.
ويكتسب انعقاد المؤتمر في نينغبو دلالة خاصة؛ فالمدينة ليست مجرد مركز حضري وصناعي صيني، وإنما تمثل واحدة من أهم بوابات الصين البحرية إلى العالم، بفضل احتضانها ميناء نينغبو تشوشان، الذي يتصدر الموانئ العالمية من حيث إجمالي حجم البضائع المتداولة، ويشكل نموذجًا متقدمًا في إدارة الموانئ والتكامل اللوجستي وربط الإنتاج بالأسواق الدولية.
وتحمل فعاليات المؤتمر، التي تستمر من 2 إلى 5 نوفمبر الجاري، شعار «الانفتاح والترابط من أجل فرص مشتركة»، في توجه يعكس أهمية التعاون بين المدن باعتباره أحد المسارات الرئيسية لمواجهة التحديات الاقتصادية والتنموية العالمية.
ويشارك في الحدث رؤساء بلديات وممثلون عن نحو 20 مدينة من 15 دولة ومنطقة عبر القارات الخمس، إلى جانب ممثلي منظمات دولية ومؤسسات اقتصادية وشركات، فيما يتضمن البرنامج حوارات رئيسية وجلسات متخصصة وزيارات ميدانية لمراكز صناعية ولوجستية وتكنولوجية.
وتتناول المناقشات قضايا تدويل المدن، والانفتاح الاقتصادي، والتعاون التجاري، والتكنولوجيا ودورها في إعادة تشكيل المدن، إلى جانب التنمية الحضرية المستدامة والتبادل الثقافي والحضاري.
كما شهدت الفعاليات توقيع 14 مشروعًا للتعاون في مجالات العلاقات الودية والتبادل الاقتصادي والتجاري والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والسياحة الثقافية، في خطوة تعكس انتقال الحوار من تبادل الرؤى إلى بناء شراكات عملية بين المدن.
ومن بين المشاركين ممثلون عن مدن من نيوزيلندا وإيطاليا ولبنان، كما حضر الجانب المصري ممثل عن محافظة السويس، بما يضفي بعدًا مصريًا مهمًا على المناقشات المرتبطة بالموانئ والمدن الساحلية والتعاون الاقتصادي الدولي.
ميناء نينغبو تشوشان.. أرقام تكشف حجم القوة البحرية الصينية
في إطار البرنامج الميداني للمؤتمر، انطلقت صباح الثالث من نوفمبر جولة إلى ميناء نينغبو تشوشان، للتعرف على آليات العمل وحركة السفن والبضائع، والاطلاع على منظومة الإدارة والتشغيل والخدمات اللوجستية، وما تشهده من تطور تكنولوجي وأتمتة متقدمة.
ويعد ميناء نينغبو تشوشان واحدًا من أكبر وأهم الموانئ البحرية في العالم، ليس فقط بسبب حجم البضائع التي يتعامل معها، وإنما أيضًا بسبب موقعه الاستراتيجي واتساع شبكة ارتباطه بالموانئ والأسواق الدولية.
ووفقًا للبيانات المعلنة عن أداء الميناء خلال عام 2025، تجاوز إجمالي مناولة البضائع 1.4 مليار طن، ليواصل تصدره العالمي في هذا المؤشر للعام السابع عشر على التوالي، وهو إنجاز يعكس ضخامة قدراته التشغيلية وأهميته في حركة التجارة الدولية.
كما تجاوزت مناولة الحاويات 43 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدمًا (TEU)، ليحتفظ بالمركز الثالث عالميًا في هذا المجال.
وهنا ينبغي التمييز بين مؤشرين اقتصاديين مهمين؛ فمناولة البضائع بالطن تقيس إجمالي أوزان السلع التي تمر عبر الميناء، سواء كانت نفطًا أو فحمًا أو خامات معدنية أو حبوبًا أو بضائع عامة، بينما يقيس مؤشر TEU حجم حركة الحاويات وفق وحدة قياسية تعادل حاوية بطول عشرين قدمًا.
وهذا يعني أن الميناء لا يعتمد على تجارة الحاويات وحدها، بل يمثل مركزًا ضخمًا لتداول المواد الخام ومصادر الطاقة والسلع الاستراتيجية والمنتجات الصناعية.
شبكة عالمية تربط أكثر من 700 ميناء
تتجلى الأهمية الدولية لميناء نينغبو تشوشان في شبكة الاتصالات البحرية التي تربطه بمختلف أنحاء العالم.
فبحلول نهاية عام 2025، بلغ عدد خطوط شحن الحاويات العاملة بالميناء 309 خطوط، تربطه بأكثر من 700 ميناء في أكثر من 200 دولة ومنطقة، مع استقبال ومغادرة ما يقرب من 300 سفينة شحن يوميًا.
وهذه الأرقام لا تعكس مجرد اتساع النشاط الملاحي، بل تكشف عن موقع الميناء في منظومة سلاسل الإمداد العالمية، حيث يشكل حلقة وصل بين المصانع ومراكز الإنتاج في الصين، وبين الأسواق والمستوردين والموزعين في آسيا وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط والأمريكتين.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن اتساع شبكة الخطوط البحرية يمنح الشركات مرونة أكبر في اختيار مسارات الشحن، ويساعد على تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على مسار تجاري واحد، فضلًا عن تحسين قدرة الميناء على التعامل مع تقلبات حركة التجارة العالمية.
سفن عملاقة وقدرات ملاحية استثنائية
من أبرز عناصر قوة الميناء قدرته على استقبال السفن العملاقة، بفضل الأعماق الملاحية والتجهيزات البحرية المتخصصة.
وتتجاوز أعماق بعض الممرات الملاحية الرئيسية 22.5 مترًا، بما يسمح بمرور سفن ضخمة محملة بكميات هائلة من البضائع.
وتصل قدرات بعض الممرات والمنشآت الملاحية إلى التعامل مع سفن تصل حمولتها الساكنة إلى 300 ألف طن، وفقًا لقدرات القنوات والمرافق المخصصة لذلك وظروف التشغيل والملاحة.
ويشير مصطلح الوزن الساكن للسفينة (Deadweight Tonnage – DWT) إلى إجمالي ما تستطيع السفينة حمله من بضائع ووقود ومياه ومؤن وأفراد، وليس وزن السفينة فارغة.
وشهد عام 2025 تطورًا مهمًا في البنية الملاحية للميناء، مع دخول مشروع توسعة قناة تيانتشوومن المخصصة للسفن العملاقة مرحلة التشغيل التجريبي في ديسمبر من ذلك العام، وهو ما عزز قدرة الميناء على استقبال السفن الكبيرة، ورفع كفاءة حركة الملاحة، ودعم قدرته على استيعاب الزيادة المتوقعة في حركة التجارة.
وتكمن الأهمية الاقتصادية لهذه القدرات في أن السفن الأكبر تستطيع نقل كميات أكبر في الرحلة الواحدة، وهو ما قد يسهم في خفض تكلفة النقل لكل وحدة من البضائع، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.
ميناء متعدد الوظائف.. من الطاقة إلى الغذاء والصناعة
لا تقتصر أهمية نينغبو تشوشان على حركة الحاويات والمنتجات الصناعية الجاهزة، بل تمتد إلى التعامل مع سلع استراتيجية ترتبط مباشرة بأمن الطاقة والغذاء والصناعة.
فالميناء يضم منشآت متخصصة لتداول النفط الخام والمواد الكيميائية السائلة والفحم والحبوب وخام الحديد، إلى جانب البضائع العامة والحاويات.
ويؤدي ذلك دورًا مهمًا في تلبية احتياجات القطاعات الصناعية الصينية، كما يربطها بمصادر المواد الخام والأسواق العالمية.
وتبرز أهمية هذه الوظيفة في ظل التغيرات التي تشهدها التجارة الدولية، وتزايد الحاجة إلى تأمين مصادر الطاقة والمواد الأولية، ورفع كفاءة نقلها وتخزينها وتوزيعها.
وبذلك لا يمثل الميناء مجرد نقطة لنقل البضائع، وإنما جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي والإنتاجي للصين، وعنصرًا مؤثرًا في حركة التجارة البحرية العالمية.
من السفينة إلى المصنع.. منظومة متكاملة للنقل متعدد الوسائط
أحد أهم أسباب نجاح ميناء نينغبو تشوشان هو أنه لا يعمل بمعزل عن المناطق الداخلية، وإنما يرتبط بمنظومة واسعة من الطرق والسكك الحديدية والممرات المائية والموانئ الجافة والمراكز اللوجستية.
وبحلول نهاية عام 2025، تجاوز عدد خطوط النقل البحري–السككي 110 خطوط، امتدت خدماتها إلى 69 مدينة في 16 مقاطعة ومنطقة صينية، مع إنشاء 40 ميناءً جافًا داخليًا، وتجاوز حجم النقل البحري–السككي مليوني حاوية مكافئة خلال العام.
ويعني ذلك أن البضائع لا تنتهي رحلتها عند رصيف الميناء، بل تنتقل مباشرة إلى المناطق الصناعية ومراكز الإنتاج والأسواق الداخلية، كما يمكن نقل المنتجات المصنعة من داخل الصين إلى الميناء لتصديرها إلى مختلف دول العالم.
وهذا النموذج يقلل من الاختناقات اللوجستية، ويوفر بدائل للنقل البري، ويساعد على تحقيق قدر أكبر من الترابط بين الموانئ والمناطق الصناعية والمدن الداخلية.
كما يعزز قدرة المدن البعيدة عن السواحل على المشاركة في التجارة الدولية دون أن تكون مضطرة إلى امتلاك ميناء بحري مباشر.
التكنولوجيا والأتمتة.. ملامح الميناء الذكي
لم تعد الموانئ الحديثة تقاس فقط بعدد الأرصفة أو حجم السفن التي تستقبلها، وإنما أصبحت التكنولوجيا عنصرًا رئيسيًا في تقييم قدرتها التنافسية.
وخلال الجولة الميدانية، اطلع المشاركون على جوانب من منظومة الخدمات اللوجستية والتخزين وإدارة البضائع، ومن بينها تجربة شركة Ningbo Yaji Logistics Co., Ltd. المتخصصة في الخدمات اللوجستية والتخزين وإدارة حركة المنتجات والشحنات.
وتكشف التجربة عن أهمية الاعتماد على أنظمة رقمية تساعد على تحديد مواقع البضائع، ومتابعة المخزون، وإدارة عمليات التخزين وتجهيز الطلبات، وتقليل الأخطاء البشرية وتسريع عمليات التداول.
ووفقًا للمادة التعريفية المقدمة خلال الزيارة، تضم منشآت الشركة نحو 42 ألف موقع لتخزين المنصات، وهي أماكن مخصصة لتخزين منصات البضائع، وليس عددًا للمنتجات أو الطرود.
كما تشمل أنشطتها خدمات مرتبطة بالتجارة الإلكترونية والشحن الدولي والتخليص الجمركي، بما يتيح إدارة مراحل متعددة من سلسلة الإمداد داخل منظومة متكاملة.
وتعكس هذه التجربة تحولًا مهمًا في مفهوم الخدمات اللوجستية، من مجرد تخزين ونقل البضائع إلى إدارة ذكية لحركة المنتجات منذ خروجها من خطوط الإنتاج وحتى وصولها إلى المستهلك النهائي.













